ابن قتيبة الدينوري

70

تأويل مشكل القرآن

والأرض معقلنا وكانت أمّنا * فيها مقابرنا وفيها نولد وقال يذكرها « 1 » : منها خلقنا وكانت أمّنا خلقت * ونحن أبناؤها لو أننا شكر هي القرار فما نبغي بها بدلا * ما أرحم الأرض إلا أنّنا كفر وقال اللّه تعالى في الكافر : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) [ القارعة : 9 ] لمّا كانت الأمّ كافلة الولد وغاذيته ، ومأواه ومربّيته ، وكانت النار للكافر كذلك - جعلها أمّه . وقال في أزواج النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم : وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [ الأحزاب : 6 ] ، أي : كأمهاتهم في الحرمات . وفي ( التوراة ) ( إنّ اللّه برّك اليوم السابع وطهّره ، من أجل أنه استراح فيه من خليقته التي خلق ) . وأصل الاستراحة : أن تكون في معاناة شيء ينصبك ويتعبك ، فتستريح . ثم ينتقل ذلك فتصير الاستراحة بمعنى : الفراغ . تقول في الكلام : استرحنا من حاجتك وأمرنا بها . تريد فرغنا ، والفراغ ، أيضا يكون من الناس بعد شغل . ثم قد ينتقل ذلك فيصير في معنى القصد للشيء ، تقول : لئن فرغت لك ، أي قصدت قصدك . وقال اللّه تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) [ الرحمن : 31 ] . واللّه تبارك وتعالى لا يشغله شأن عن شأن . ومجازه : سنقصد لكم بعد طول التّرك والإمهال . وقال قتادة : قد دنا من اللّه فراغ لخلقه . يريد : أن الساعة قد أزفت وجاء أشراطها . وتأوّل قوم في قوله تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ( 8 ) [ الانفطار : 8 ] معنى ( التناسخ ) . ولم يرد اللّه في هذا الخطاب إنسانا بعينه ، وإنما خاطب به جميع الناس كما قال : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً [ الانشقاق : 6 ] كما يقول القائل : يا أيها الرجل ، وكلّكم ذلك الرجل . فأراد أنه صوّرهم وعدّلهم ، في أيّ صورة شاء ركّبهم : من حسن وقبح ، وبياض

--> ( 1 ) البيتان من البسيط ، وهما في ديوان أمية بن أبي الصلت ص 32 .